أحمد بن علي القلقشندي
206
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
يقول : وأنا ثاني عناني ، لأنّي لم أجهد فرسي ركضا . قال يحيى : إن لكلّ رجاء سببا ، فما سبب رجائك ؟ قال : شهوتي لما أنا فيه ، والمشتهي للعمل لا يجد من ألم الكدّ ما يجده العسيف ( 1 ) الأسيف . قال يحيى : إن نهضت بثقلها فبهذا ، وإلَّا فلا . وأنا أسأل اللَّه أن يصرف شهوتك إلى حبّ ذلك ، وهواك إلى الاحتفاظ بنعمتك : بشكر المصلحين ، والتوكَّل على ربّ العالمين . وحقّ لمن كان من غرس المتوكَّل على اللَّه وابتدائه ، ومن صنائعه واختياره ، أن يخرّج على أدبه وتعليمه ، وعلى تثقيفه وتقويمه ، وأن يحقّق اللَّه فيه الأمل ، وينجز فيه الطَّمع ، وأن يمدّ له في السّلامة ، ويجزل له من الغنيمة ، ويطيّب ذكره ، ويعلي كعبه ، ويسرّ صديقه ، ويكبت عدوّه . وهذه نسخة رسالة تسمّى « الإغريضيّة » ، أرسلها أبو العلاء أحمد بن عبد اللَّه بن سليمان المعرّي التّنوخي إلى أبي القاسم الحسين بن عليّ المغربي ( 2 ) ؛ وهي :
--> ( 1 ) العسيف : الأجير المستهان به . ( 2 ) قصة الرسالة الإغريضية أن الوزير المغربي ، الحسين بن علي المغربي ، كان قد اختصر « إصلاح المنطق » لابن السكّيت ، وسمّى هذا المختصر : « المنخّل » ، وأهدى منه نسخة إلى أبي العلاء المعرّي مرفقة برسالة وشعر ، فبعث أبو العلاء إليه هذه الرسالة مثنيا على عمله ؛ وهي تتألف من ثلاث دورات : في الأولى ترحيب بما تلقاه المعري من شعر ابن المغربي ، وفي الثانية احتفاء بمقدم اختصار إصلاح المنطق ، والثالثة في شؤون متفرقة . ولعل الرسالة الإغريضية أشهر ما عرف من رسائل المعرّي المتوسطة ، فقد أوردها صاحب التذكرة الحمدونية ، وتولَّاها بالشرح عدد من الناس منهم : أحمد بن جعفر بن الدبيثي ، والشيخ إبراهيم بن الفصيح بن صبغة اللَّه الحيدري - من علماء القرن الثالث عشر الميلادي - وأبو عبد اللَّه البكر باذي ؛ وهذا الأخير سمّاها « رسالة الحروف » . أما تسميتها بالإغريضية فلأنه ذكر فيها الإغريض ، ولكون هذه الكلمة غريبة في الرسالة - كما ذهب البكر باذي - ولكون عبارات الرسالة تمتاز في كثير من الأصول بالغموض وصعوبة التناول ، فقد اضطررنا إلى إثقال الحواشي بالشروحات ، لعل ذلك يعفي القارئ من العودة إلى كثير من المصادر والمعاجم . هذا وقد اعتمدنا في ضبطها وشرحها - بالإضافة إلى كتب اللغة والمعاجم - على شرح البكر باذي الذي حققه الدكتور إحسان عباس ، وعلى إضافات المحقق ، خاصة إشاراته إلى شرح المعرّي نفسه لرسالته . ( رسائل أبي العلاء المعري : تحقيق إحسان عباس : 1 / 183 - 184 ) .